كريستيان غازي

12 ديسمبر, 2013 09:03 م

20 0

رحل أول من أمس، المخرج السينمائي والشاعر اللبناني كريستيان غازي الذي بكى حين أمسك بفيلمه الوحيد الناجي من نيران الحرب الأهلية في العام 1964. رحل ابن الـ 79 سنة، المولود في أنطاكيا من أب لبناني وأم فرنسية في العام 1934، وأحد أعمدة شارع الحمرا في بيروت وأحد رموز المثقفين اليساريين في لبنان، صديق الشباب الذي لا يبخل بالنصائح على المخرجين الجدد، ولا يبخل بحديثه البديع عن المقاومة الفلسطينية وأيام الخمسينات والستينات. ويودّعه أصحابه ومحبوه في جناز في كنيسة الوردية في الحمرا، الثالثة بعد ظهر الأحد المقبل.

كان في الخامسة من عمره حين حطّ رحاله في المدرسة اليسوعية في بيروت التي كانت تحظِّر على تلامذتها النطق بكلمة عربية، ثم دخل جامعة الـ «ألبا» طالباً يدرس الموسيقى تأليفاً وكتابة. لكنّه سرعان ما توجه إلى الإخراج السينمائي، فجال على مدارس سينمائية بين ميونيخ في ألمانيا وفرنسا وروسيا.

عمل في «تلفزيون لبنان والمشرق» (دُمج عام 1977 مع «شركة التلفزيون اللبنانية» ليصير «تلفزيون لبنان») حيث تولّى الأفلام الوثائقية. وأول أعماله التسجيلية كان «راشانا» (1961) عن النحّات ميشال بصبوص. في العام 1964، طلبت إليه وزارة السياحة إعداد سلسة أفلام وثائقية تهدف إلى تشجيع السياحة في لبنان. «أنهيت الأفلام. قالوا إنّ لجنة مراقبة ستشاهدها. اللجنة كانت من المكتب الثاني (الاستخبارات العسكرية)، شاهدت الأفلام واتخذت قراراً بحرقها: 12 فيلماً أُحرقت عند باب التلفزيون أمام عينيّ»، قال غازي يوماً في مقابلة مع موقع «جمول»، بحرقة وغصة كبيرتين. لماذا؟ لأنّه صوّر مثلاً فلاحاً مع بقرته في الحقل، وأناساً داخل «كازينو لبنان». ثم وضع صوت الفلاح على صورة الكازينو، وضجيج الكازينو على صورة الفلاح.

التزامه بالقضية الفلسطينية جعله ينتج الفيلم الأول عن الثورة عام 1967، بعنوان «الفدائيون» الذي استوحاه من مسرحية «الأمّ الشجاعة» لبريخت. يحكي الشريط قصة أم فلسطينية تُطرَد من أرضها، فتقرر أن تقدم أبناءها فداءً للوطن. يومها، لم تكتفِ الرقابة بمنع «نيغاتيف» الشريط، بل أصدرت حكماً غيابياً بسجن صاحبه 15 يوماً، فيما اعتبر ياسر عرفات الشريط «هزيمةً بحد ذاتها».

يعود تعلّق غازي بالقضية الفلسطينية إلى العام 1948 «عندما كان والدي قائد الجبهة الجنوبية في الجيش اللبناني، وهو الجيش العربي الوحيد الذي دخل 14.5 كيلومتر داخل الأراضي الفلسطينية وحرّر مناطق من الهاغانا. يومها، كنتُ في الـ 14 من العمر ولم أكن أجيد اللغة العربية بحكم تربيتي في المدرسة، إضافة إلى أنّ أمي فرنسيّة. مشيت على خطى والدي وتأثّرت بقصة التحرير». بعد إحالة والده على التقاعد العام 1954، كافأه وفد شيوعي صيني على عطاءاته بهدية، هي الكتابات الكاملة المترجمة لماو تسي تونغ. «قرأتها وأُعجبتُ بالحزب الشيوعي الصيني، ثم لاحقاً بماركس».

في العام 1968، التحقَ غازي بـ «الجبهة الشعبية الديموقراطية لتحرير فلسطين» وصوَّر فيلم «مئة وجه ليوم واحد» الذي نال جائزة لجنة التحكيم في «مهرجان السينما البديلة» في دمشق (1972)، لكن عبد الحليم خدام صعد يومها إلى الخشبة وانتشل الجائزة من كريستيان، مشيراً إلى أنّه لا يستحقّها!

«Ce dernier jour à Corfou et qui ne furent point complaisance». وقد خاض غمار الغناء الأوبرالي بالإيطالية والألمانية والفرنسية. كما جرّب التمثيل في أفلام قليلة أهمها «المرابون»، لكنه كان خجولاً كما أكدت ابنته هدى لـ «الحياة».

تزوّج كريستيان غازي من إحدى كبيرات المسرح اللبناني الحديث الراحلة مادونا غازي، وأنجبا ميشال وكارل وهدى.

في مطلع السبعينات، انخرط كريستيان في العمليات الفدائية. «شاركتُ في 21 عملية، كنا نتسلل عبر الحدود اللبنانية إلى فلسطين. حينها، كنت متزوجاً وزوجتي مادونا ناضلت إلى جانبي». أما أقرب الناس إلى قلبه وعقله، فكان جورج حبش. والأخير أنقذه حين تعرض كريستيان للضرب على أيدي «المرابطون» الذين سرعان ما صالحوه بتسليمه النشرات الفرنسية والإنكليزية في إذاعة «صوت لبنان العربي» (1983). بعدها، اشتغل في إذاعة «صوت الشعب (1985)، مديراً للنشرة الفرنسية مع زوجته وبقيا 10 سنوات ثم خرجا «غاضبين».

فنياً، تلقى كريستيان غازي الضربة القاضية العام 1983 حين أحرق مسلحون في محلة بربور «نيغاتيف» كلّ أفلامه. «43 فيلماً أُحرقت بكاملها وتدفأوا عليها. بعدها توقّفت. كانت صدمة أن تشتغل كل حياتك منذ 1960 ثم يأتي أحدهم، وبمنتهى البساطة يحاول أن يتدفأ على تعبك وجهدك. كنت أنتظر أن تنتهي الحرب حتى أطبعها»، كما قال غازي. لكن الحرب لم تنته بعد وما زالت مستمرة بأشكال مختلفة.

هذه الأفلام كانت عن الفقراء والمساكين، عن الفدائيين والمقاتلين ومزارعي التبغ والفلاحين، «عن المهجّرين الذين هربوا من مناطق بؤسهم إلى مخيمات الصفيح في برج البراجنة وغيرها. ارتضوا العيش تحت الخراب والتعتير والبهدلة، وكنت أنزل في معظم الأحيان بمفردي، لأصوّر عنهم أفلاماً طويلة». لم ينجُ من هذه الأفلام سوى «مئة وجه ليوم واحد» الذي كان حينها في «المؤسسة العامة للسينما» في سورية. أما الأفلام الأخرى فاحترقت وضاع بعضها الآخر، من بينها «لماذا المقاومة» الذي يحتوي على حوارات مع قادة فلسطينيين، مثل غسان كنفاني وإبراهيم العابد، و«الوجه الآخر للاجئين». وعن الحرب اللبنانية، يذكر «الموت في لبنان» الذي «نفّذته بطلب من الجبهة الشعبية»، و«كانت هناك نسخة منه في بغداد بعدما وضع صدام حسين اليد عليها» وثلاثية وثائقية عن جذور الأزمة اللبنانية وأربعة أفلام تسجيلية عن ظروف النازحين بسبب الحرب الأهلية.

في العام 2001 عاد كريستيان غازي بعد انقطاع طويل إلى الكاميرا، بطلب من «نادي لكل الناس»، ليُنجز شريط «نعش الذاكرة». حينها قال لموقع «جمول»: «وعدوني بنسخة من فيلمي «مئة وجه ليوم واحد» وهو أهم أعمالي، لأنه يمثّل وجهة نظري، ونوعاً من بياني السينمائي. قالوا إنّهم سيحضرونها من الشام، شرط أن أصنع لهم فيلماً، وافقتُ. وقد صدقوا بوعدهم». جيل الشباب عرف غازي مقيماً في مقاهي الحمرا، «أنا غير معترَف بي هنا، لا سينمائياً ولا من يحزنون. مُنعت من التدريس في الجامعة لأنني لا أحمل بطاقة وساطة من زعيم سياسي». وهكذا توفي الرجل الأشيب الهادئ والمثقف، محافظاً على مبادئه وكرامته ومناصراً للقضية الفلسطينية والعدالة الاجتماعية.

مصدر: alhayat.com

إلى صفحة الفئة

Loading...